الرحالة
حين أراجع ما مضى من العمر أتوقف عند لحظات بعينها وأكاد اتذكرها بكل وضوح ، حتى التفاصيل متناهية الصغر أتذكرها جيداً..وأحداث أخرى أكاد لا اتذكرها من الأساس. بل إن أعوام كاملة سقطت من ذاكرتى فمثلا سن الثامنة عشر والتاسعة عشر بالتحديد لا أتذكر تفاصيل ماحدث فيهما..بل ولا أتذكر أى حدث خلالهما.. ولا اعرف لماذا تلك السنتين بالتحديد؟؟ربما لأنى لم اكن افعل اى شئ سوى المذاكرة والنجاح والتأهل للعام الدراسى التالى؟ لا أعرف السبب.
ولكن لحظات أخرى أتذكرها بمنتهى الوضوح مثل اللحظة التى توفت فيها امى حين رجعت من المدرسة فى يوم أحد ووجدت باب منزلنا مفتوح وصوت الجيران وهمهمتهم المفزعة وصمتهم المرعب وعيونهم المحدقة تستقبلنى من على السلم..لأجد أمى مغشياً عليها والطبيب يأمر بسرعة نقلها الى المستشفى لخطورة الحالة. أتذكر التفاصيل الثقيلة لذلك اليوم الثقيل. بل وأتذكر ملابس كل فرد كان يقف وقتها وأتذكر رائحة البيت ولون كل شئ.. وكأن اليوم محفور فى ذاكرتى لا يريد أن يتحرك أو يهتز.
مرت سنوات طوال على هذا اليوم ولكن لا اتذكر اى يوم منها مثلما اتذكر يوم الاحد الموافق 17 فبراير 1997 بكل تفاصيله.
ربما هذا التاريخ لا يعنى أى شئ بالنسبة للآخرين ولكن بالنسبة لى هو افظع يوم رايته فى حياته حتى الآن.
أشياء كثيرة تغيرت فى شخصيتى منذ ذلك اليوم ، بل أعتبر ذلك اليوم هو الحد الفاصل بين حياتين غاية فى الاختلاف والتناقض.
هو الحد الفاصل بين شخصية فتاة مدللة لا تعتمد على نفسها فى شئ ولا تعرف معنى كلمة الهم او المسئولية..وبين شخصية أخرى أقل ما يقال عنها هو أنها شاخت قبل الأوان. وكأن ذلك اليوم جعل السنوات كلها تسقط فوق رأسى فى تلك اللحظة لأجد نفسى كبرت جدا وحملت هموم لا يطيقها أحد من اصغر التفاصيل وأدقها حتى أكبر الهموم وأعتاها.
لم أتخيل أبداً كيف ستسير حياتى بعد هذا اليوم ..بل ظننت أن تلك هى نهاية كل شئ.. وللأمانة هذا حقيقى على الاقل نفسياً. فبالرغم من كل ما عشته ورأيته بعد ذلك اليوم إلا أننى لا اشعر به مثلما كنت اشعر من قبل وكان الاحساس مات بداخلى. أتظاهر بالسعادة بين الناس وأضحك ولكن من على شفاهى فقط وليس من قلبى.. وأتكلم ولكن لا يعبر هذا الكلام عن قناعاتى لأن قناعاتى لا يتحمل أحد أن يسمعها أو يصدقها.
فأصبحت لا أتعب نفسى فى شرح مشاعرى للناس ولا أتوقع تعاطفهم معى.. ولا أتوقع مساعدتهم لى بدون مقابل. تعلمت أن الحياة قد تسحب منى أعز الاشياء عندما أكون فى قمة الاطمئنان..فتعلمت ألا أتعلق بالاشياء او الاشخاص.لان الاشخاص الذين يملكون الاشياء إلى زوال فما بالك بالاشياء التى يملكونها؟؟ ولا أطمع فى أى شئ ولا أندم على فوات شئ ولا أفرح من كل قلبى بأى شئ.
يؤرقنى دائماً هذا الهاجس ولا يجعلنى استمتع بشئ لانى جربت الاطمئنان الى الدنيا فمازادتنى الا حسرة وندامة.
ويتعبنى دوما احساسى بعدم الأمان..وكأنى مسافر رحال يحمل اعماله بدلا من حقيبته فوق ظهره متوقعا الرحيل فى كل لحظة. ...
الخميس، 13 مايو 2010
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)